https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2559215704144629&id=100001686740391&sfnsn=mo
*اللغة العربية ومراحل تطور الأدب العربي*
الحلقة الخامسة ..
*الأدب العربي في العصر الأموي*
رغم ما مر به الأدب العربي في صدر الإسلام من تنقيحٍ وأسلمة للثقافة الأدبية التى كانت تعيشها المجتمعات والقبائل في العصر الجاهلي بمساعدة تلك العوامل والمؤثرات الناتجة من اِنتشار الدين الإسلامي وبروز ثقافة القرآن والحديث النبوي في العصر الإسلامي الأول ..
إلا أنه وبسبب تلك العوامل السياسية التي ظهرت في العصر الأموي لاسيما بعد نقل المُلك والدولة آنذاك إلى بيئةٍ جديدة في الشام والتي كانت تُغاير بيئة الحجاز ، وُلدت ثقافات جديدة بل وعاد الأدبُ الذي كان قد تأثر بتلك العوامل والمؤثرات الإسلامية إلى سابق عهده ، في حين أن الفتوحات الإسلامية أيضا كانت تعمل على رفد الدولة آنذاك ليبدو على خزائنها أثر الشبع بتلك الأموال الطائلة ، عندها أينعت ثقافة الإطراء من جديد بل وأقبَل المدح حينها بحُلتهِ الجديدة والتي كان يرتديها في مجالس ( البلاط الأموي ) حيث عمد أمراء بني أميّة حينذاك إلى مَدّ يد البسط والكرم والسخاء والإغداق بالأموال للشعراء لغرض مدح دولتهم وسيادتهم ونشر سياستهم ..
لذا عملت تلك الأسباب آنفة الذكر على تزاحم أغلب الشعراء والخطباء آنذاك على أبواب الوُلاة والأمراء حيث صاروا يبالغون كثيرا في مدحهم وإطرائهم بُغية الحصول على الكثير من المال ..
وهذا ماجعل فن المديح يتصدر إلى أعلى مراتبهِ ليُصبح في تلك المرحلة فنّهم الأول ، فصار معظم الشعراء يبتعدون عن الأدب وأصالته القديمة وصدقه ، ليتوجّهوا صَوب مسارات المدح والإطراء ..
ومع تلك الظروف والخلافات والمعارضات التي كانت حاصلة في تلك الفترة أيضا تولدت ثقافات شعرية متعددة ومتنوعة من حيث التوجه والأسلوب والغاية فمثلا كان شعراء الخوارج يطالبون بأن تكون الخلافة شورويّة ولا يجِب أن تكون موقوفة على أمراء بني أمية ، فسخّروا شِعرهم وأدبهم في خدمة هذا النداء ورفع تلك المطالب التي تصُبّ في هذا الاِتجاه حيث كان من أشهر شعرائهم الطرماح بن حكيم وعمرو بن الحصين ، كذلك كان شعراء الشيعة يرون أن آل البيت هم أحق بتولي الأمر من جميع المسلمين بل هم الأحق بها وأهلها فسخّروا شعرهم في هذا الخصوص وفي هذا الاِتّجاه أيضا ، كان من أشهر شعرائهم الكميت الأسدي وأبو طفيل عامر بن واثلة ، أضف إلى ذلك جماعة عبدالله بن الزبير حيث كانوا يرون أنه الأحَقّ بالولاية من يزيد ..
بينما كان على محاور الزمن آنذاك وفي الاتجاه الآخر من تلك الثورات والجماعات المُخالفة لتلك السياسية تحديدا أعني سياسة الدولة الأموية تولدت أيضا ثقافة مناقضة لتلكم الجماعات وداعمة للدولة الأموية بثقافة أدبية مادحة لسيادتها ولأمرائها حيث كان من أعلامها جرير والفرزدق والأخطل ..
ما حصدهُ الأدب عصرئذ وبشكلٍ جماليّ فاض حدّ موسِمهُ كَيلاً أنّ هذا التنوع والاختلاف الذي كان حاصلاً حينذاك صار له دورٌ كبير في إثراء الساحة الأدبية ورفد القواميس الأدبية بثقافات أدبية واِتجاهات متنوعة عملت على رفع مستوى الرُّقي الأدبي حينها إلى مقامات عالية ..
ومما لا يُخفى علينا أيضا ذلك الترف الفكري والأدبي والفلسفي الذي وُجد آنذاك ، والذي منه تولدت ثقافة الجدل بين المسلمين في شؤونِ العقيدةِ والقُدرةِ والإرادةِ والثوابِ والعقابِ لاسيما أولئك الذين كانوا متأثرين بالفلسفةِ القديمةِ من الحضاراتِ المجاورةِ كاليونانيةِ والرومانيةِ والصينيةِ والهنديةِ والفارسية .. هذا الترف خلق ثورة أدبية فكرية ثقافية متنوعة ،
عندها تلوّن الأدب العربي بألوانٍ فكريةٍ جديدة جعلت منه مرتعًا خَصبًا بآفاقٍ واسعةٍ نمت فيها الفنون الأدبية وترعرعت حتى وصَلت حدّ السخاء الأدبي غير أن هذا الترف أيضا كان صاعدا على حساب المعتقد الديني وضد فلسفة الشريعة الإسلامية التي اِنتشرت في صدر الإسلام وأتت بها رسالة القرآن التي قَطعت كل السُّبل المُؤدية إلى تلك الفلسفات والتي كانت تُدعى بحبائل الشيطان ووساوسه ..
غير أن الدور الأكبر والذي لا يمكن تجاهله أو الاِستهانة بهِ في نَشر الثقافة والأدب العربي ما فعلته الفتوحات الإسلامية ، فلقد وصلت فتوحات المسلمين آنذاك إلى أقصى المغرب ومشارف بلاد الروم وإلى بلاد الأندلس ، أما في اِتجاه الشرق فلقد وصلوا إلى خراسان وبلاد فارس وسنجستان وبلاد السند وماوراء النهر ..
حينها كان الفاتحون يبسطون سلطانهم فينشرون معه عقيدتهم ولغتهم وثقافتهم كما أنهم كانوا أيضا يتأثرون بثقافة وحضارة تلك الأمم ليضيفوا الكثير من أدبهم وثقافتهم وعاداتهم الاِجتماعية إلى ثقافة الأدب العربي حيث كان هذا التنوع والتوسع يخلُق تعدُّداً في الثقافات والمجالات المختلفة ..
عندها وُلدت حركة أدبية واسعة النطاق أدت إلى اِنتشار المعرفة في مختلف الطبقات والمستويات الاِجتماعية ، أضف إلى ذلك الاِستفادة من أساليبهم في التدوين والتوثيق والنشر حيث بدأت عندها عمليات التعريب والترجمة وصك العملات والتداخل الثقافي بين اللغات ، على غرار ذلك تعلم الشعراء والأدباء التدوين والترجمة إضافة إلى تأثر وتطوّر خبرتهم الأدبية والشعرية بتلك الثقافات والفنون المتقدمة مع حفاظهم على المعنى والمبنى والموسيقى والخيال والعاطفة التي كان يمتاز بها الشعر في الأدب العربي ..
غير أن ذلك الترف المادي الذي كانت تعود به الفتوحات أيضا ولّد طائفة من الشعراء كشعراء الحجاز آنذاك - لاسيما وأنهم كانوا بعيدين عن مواطن الصراع السياسي بين العراق والشام وخرسان - حيث جعلهم ذلك الثراء يتّجهون إلى اللهو والغناء والتعرض للنساء حيئذ بُعث شِعرُ الغزلِ من جديد بعد أن كانت الشعائر الإسلامية والآداب قد عملت على دفنه حيًا في صدر الإسلام ، ليس هذا فحسب بل صار في أبهى حُلَلهِ وأعلى مراتبه ، حيث كان من أشهر شعراء الغزل عمر بن ربيعة ..
بينما كان شعراء نجد الذين كانوا متميزين بعفتهم وصدق العاطفة لديهم بل أن منهم من قادهُ شِعرهُ للهلاك غير أنهم ظلوا محافظين على أشعارهم العفيفة وابتعدوا كثيرا عن شعر المجون وعن التّغني بجسدِ المرأة حيث كان من أشهرهم جميل بن معمر وقيس بن ال ملوح ..
أضف إلى ذلك عَودَة شعراء الخمرة حيث كانوا يجولون ويصولون في تلك المحافل ولا يزجرهم أحد بعد أن كانت تلك الثقافة الأدبية قد انتهت تماما في صدر الإسلام بل وفُرض التحريم الصريح فيها ، حيث كان أشهر شعرائهم الأخطل التغلبي ..
ومع عودة تلك الثقافات إلى الساحة الأدبية من جديد لاسيما تلك التي بلغت حدّ الترف الشعري في الغزل والغناء والمدح المبالغ فيه ، إلا أنه وُجدت مجموعة من الشعراء المُحافظين على ثقافتهم الدينية والذين أُطلِق عليهم حينذاك بشعراء الزهد كونهم سلكوا طريق الزهدِ والورعِ والتقشفِ فأثرُوا ثقافتهم وخلقُوا حركة دينية وصل فَيحُها إلى أوساط البلاط الأموي ، بل إن بعضهم من وهب نفسه وروحه لذلك ، بل على الرغم من وجود عدد قليل من تلك الفئة إلا أنهم أثبتوا وجودهم وارتقوا بما يحملون من فكر أدبي صادق ومحافظ إلى أعلى مستويات شعر الزهد آنذاك ، حيث كان من أشهرهم أبو الأسود الدؤلي ورابعة العدوية ..
أما ما يخُص النثر فلقد تصدرت الخطابةُ السياسية أعلى مراتب الأدب آنذاك بل كانت في مقدمة الأدب النثري بسبب الصراعات والاختلافات النتاتجة ، أضف إلى ذلك الخُطب الحربية التي كانت تحُثّ على الجهاد ونشر الإسلام في الفتوحات ..
ومما لا يُخفى أيضا تطور القصص التي كانت حينئذ مستوحاة من القرآن والأحاديث والتي كانت معظمها تبرُز كثيرا في مرافقة الجيوش والحَث على الفتحِ والجهاد بأسلوبٍ تأتي دلائلهُ وأدلتهُ من قصص الأنبياء في القرآن ومن أخبار الأمَم السابقة ..
أما عن الخِطاب الديني فلقد طورت حركة الزهد خطابها الديني آنذاك وبلوَرت أسلوبهُ في وعظ الناس وصدهم عن الوقوع في الملذاتِ والشهواتِ ونصحهم من التهالكِ والتساقطِ في ملاذ الدنيا ومتاعها ، حيث كان من أشهر خطباء الزهد حينئذ الإمام حسن البصري ..
كما أنه بسبب الترف الفكري والفلسفي الذي كان فائضا آنذاك تولدت ثقافةٌ أدبيةٌ جديدة كانت تُدعى بالمناظرات حيث كانت تُقام بين الطرفين المتجادلين ..
فيُدلي كل طرف بحُجّتهِ وأدلتهِ ، حينها اِرتقى هذا الفن كثيرا رغم أنه كان وليدا آنذاك لاسيما وأنه كان يعتمد على فنِّ الإقناع بالحجج العقلية التي تتطلب المنطق الصحيح والفكر السليم الصادق ..
يتبع ...
✍ عبدالباري الصوفي
✅🔰

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق