*النور يمكن في أعماقنا*
في إحدى المدن الكبيرة المكتظة بالسكان ذات الطابع المعماري المزدحم فالمباني تحتضن المتاجر وبين تلك المتاجر المرتصة هناك حيث كان يجلس المسن بين خردواته ويعرضها للبيع وقفتْ أمامه (نرجس) فتاة العشرين مشرقة الوجه ذات العينين البنيتين والشعر العسلي ثم قالت بصوت يشبه نسمة باردة في حر شديد: مرحباً.....عم (باتلس)، كيف حالك؟
ماذا لديك اليوم، أحب جدا تلك الأشياء التي تبيعها إنها مزيج من حقيقة وخيال هيا أريد أن أرى.
ابتسم قائلاً:نعم...نعم عزيزتي لقد أحضرت أشياء كثيرة وأحضرت شيئًا ستحبينه فجميع الفتيات يحببنه،إنها مرآة كانت تمتلكها أميرة في شمال اليابان منذ زمن بعيد وبثمن قليل فقط لكِ ولها ميزة أيضا قيل أنها مشعة تصدر ضوءًا عندما تنظرين إليها وقد كتبت الأميرة كل شيء في إطار هذه المرآة.
بسعادة عالقة بين عينيها قالت نرجس: رااائعة جداً اسمح لي بأخذها.
عادت نرجس إلى منزلها تسابق أنفاسها سعيدة بما لديها،وعندما وصلت وضعتها في غرفة الجلوس وبقيت أمامها طيلة النهار تنظر، وتنظر ، وتنظر هيا يا مرآتي لمَ لا تصدرين ضوءًا؟ ....ولكن لا شيء حدث، انزعجت جداً وغادرت المكان غاضبة: لا فائدة منك فأنت مرآة كـأي مرآة عادية عديمة النفع.
مرت الأيام ونرجس تقلب صفحات التاريخ واحدة تلو الأخرى وتنظر إلى مرآتها الجامدة: لا شيء مما قاله العم باتلس قد حدث ربما كذب عليَّ، وبين صراع الأحاديث في رأسها مر صوت مزعج أوقف الصراع إنه جرس الباب ترى من الطارق؟
فتحت نرجس الباب :أهلا (ميارا) كم كنت في انتظاركِ تفضلي صديقتي العزيزة.
دخلت ميارا وجلست في غرفة الجلوس وبعد أن ارتشفت رشفة من كوب القهوة جعلت تفتتح الحديث قائلة: مابكِ؟ لمَ وجهكِ محمرٌّ من الغضب؟ ماذا حدث؟
نرجس: إني غاضبة. سارة تفوقت في دراستها وجوري وجدت عملاً جديداً حتى موسى افتتح متجراً وهاهو يكسب الكثير من النقود ومرآتي القبيحة لم تشع البتة كما قال لي العم بتلس يبدو أنه خدعني.
ميارا: وما العيب في ذلك إن تفوقت سارة فهي ابنة خالتك وحتى جوري صديقتك وموسى جاركِ يجب عليكِ أن تكوني سعيدة من أجلهم وها أنتِ أيضا تفوقت.
نرجس: إني أحقد عليهم أريد أن أتفوق أنا فقط فأنا من يستحق التفوق والنجاح دوماً حتى أن موسى كان فاشلاً في الحساب لمَ يفتتح متجراً لا يستحق تلك النقود، أنا أستحقها فأنا أذكى منه.
ميارا: صديقتي يجب أن لا تكوني بهذا الحقد أنت مرعبة حقاً تغيرتِ كثيراً أو ربما هذا طبعكِ ولأني أحبك لم أرَ ذلك.
وأتبعت :ماهذه المرآة؟! أشعر بشيء غريب يشدني تجاهها كأني أتلهف للوقوف أمامها.
ابتسمت نرجس بخدعة ثم قالت: أظنه السحر هذه هي المرآة التي أشتريتها من العم باتلس لكنها لا تعمل.
ميارا: أتسمحين لي برؤيتها.
نرجس: نعم تفضلي.
وقفت ميارا أمام المرآة وماهي إلا ثوانٍ قليلة حتى صدر شعاع ساطع صافح الأركان وكأنه يقبل وجه ميارا صعقت وسارعت إلى الجلوس :ماهذا إنه سحر مرآة مذهلة ومخيفة.
ولكن نرجس هي التي بقيت في ذهول لم تخرج حرفاً واحداً من بين شفتيها.
وبعد دقائق خيَّم الصمت في الأرجاء ولم يبقَ سوى صدى أنفاس بين شهيق وزفير.
قاطعت ذلك الصمت ميارا عندما قالت: نرجس تأخرت سأغادر إلى اللقاء.
وبعد أن خرجت ظل الصمت لدقائق أخرى قبل أن تقف نرجس أمام المرآة متفحصة: هيا أيتها المرآة لمَ لا تصدرين شعاعًا؟ هيَّا أريد أن أرى ذلك النور هيّا هيّا هيّا إنك مرآة لعينة بلا فائدة.
أخذت نرجس المرآة وعادت بها إلى العم باتلس وبنبرة غضب قالت: لم أتوقع منك أن تخدعني هذه المرآة لا تعمل ولا تصدر نوراً أقف أمامها طوال اليوم فقط تشع عندما يأتي الضيوف لا أريدها.
نظر قليلاً إلى وجهها الحامل للحقد والبغضاء والغضب رغم جماله ثم قال: أتعلمين ما المكتوب في إطار هذه المرآة؟
قالت بسخرية: لا زلت صغيرة لأتعلم اللغة اليابانية القديمة هي للمسنين أمثالك.
العم باتلس: المكتوب هنا (النور يكمن في أعماقنا) وهذا النور عزيزتي لا يأتي إلا لأولئـك الذين يحملون قلوباً طيبة لا تحقد وتلك الأعماق هي قلوبنا وذلك النور هو الرحمة والطيبة التي وضعها الله فينا هو فطرتنا الطيبة، وأنتِ تحملين قلباً به نور ولكن الحقد الكثير والأنانية العارمة بداخلك أصبحت كالجبل تحجب ضوء قلبك وطيبته.
لا تستطيعين رؤية النور لأن المرآة تعكس النور الذي يأتي من أعماقنا وأنتِ معتمة من الداخل فالنور يكمن في الأعماق.
*قصة*
*بقلم:صفاء علي*

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق