الأحد، 29 سبتمبر 2019

جبر مشرقي ــ يكتب : قريتي



( قريتي )
  ✍/جبر مشرقي 
________________________

أماه بربك كيف حال قريتنا؟
كيف قدها الرشيق ومحياها الندي بعد خمسة أعوام من عمر البارود الذي سرت روائحه بأوردتها !

ماذا فعل الخريف العنجهي بأوراقها؟
أهداب سنابل الذرة ماذا فعلت بها الرياح؟

دودة الأرض 
هل اقتربت من سرير والدي الخشبي؟
وهل السيدة الريفية لا تزال تنقل جرار الماء على رأسها؟
وهل فانوسنا الضئيل ضوؤه يملأ أرجاء الدار؟
أخي الصغير ماحاله؟
وهو يركض بعد الأغنام مكشوف الرأس 
حافي القدمين 
وهل تنورنا ينضج الخبز مكتملا 
أو يسرق منه شيئا 
أشجار السدر هل لا تزال تثمر 
والأطفال يذهبون إليها ليأخذوا شيئا من ثمرها 
وهل خطيب مسجدنا حصل على مايك؟ في يوم الجمعة ليساعده على انتشار صوته 
حتى لا يتعب بلعومه 
وهل شجرة الفل مكثف زهرها؟
لتصنع منه الأيدي طوقا مدورا 
ليوضع على رأس العريس 
وهل جدي لا يزال يروي خرافات مضحكة للأحفاد؟
أو قد صار مخرفا لا يميز بين الأشياء 
وهل شباب قريتي لا يزالون يتسامرون على ضوء القمر؟
وهل فأسك يا أماه ما زال حادا؟
لتكملي به مسيرة احتطابك 
وهل البنات لا يزلن ينقشن أناملهن بالحناء؟
أم صار صاع الحناء كالحج لمن استطاع إليه سبيلا؟
هل لا يزال أطفال قريتي 
يجمعون أكياسا بلاستيكية ؟ ويخلطونها ليصير شكلها دائريا فيلعبون بها مباراة كرة القدم؟
هل لا يزالون يستخدمون القميص الواحد لثلاثة أعياد 
أماه.....
ما حال قريتي؟
بعد غيابي 
هل لا تزال جميلة وبريئة؟
أم احدودب ظهرها 
وذهب بصرها 
وشلت أطرافها 
وشنق جمالها 
من همجية الغجريين 
وهل لا تزال العصافير تعزف لحنها كل صباح؟

قالت :
يا بني 
بعد رحيلك بخمس 
زارت قريتك كوابيس مخيفة 
وأسعار أثقلت كاهلنا
صبت ماء الحزن 
في جرارنا 
مات الفرح على أرصفة عمرنا 
وثملنا بكؤوس الآه 
والخوف صار رفيق دربنا 
واليأس صار إمامنا 
واعتكفنا في حرم الحرمان 
صارت الأيام شحيحة 
والساعات جريحة 
والدقائق طريحة 
والثواني كليلة 
صار دجانا بلا صباح 
ونبيذنا بدون أقداح 
وأحلامنا بدون نجاح 
ومسيلمتنا بدون سجاح 
وأفواهنا يراقصها النواح 

يا بني ....
رمل الطبيعة لم يعد يهوى خطونا 
وخيال المنايا يعشق رسمنا 
والربيع لم يعد يهدينا عطرنا 
الثكل والحزن والآهات درس يومنا 
صيامنا بدون تراويح 
ونوافلنا بدون تسابيح 
متعبون 
منسيون 
منهكون .... صرنا 
استنوق الشر فينا 
والطيش يلعب برصاصه علينا 

يا بني....
تسلق أدغال منفاك 
وعش فيه 
لقولهم 
سافر ففي الأسفار خمس فوائد 
ولا تزر قريتك إلا بعدما تعود لها نضارتها 
ففي وقتنا هذا 
سوف تنكر قريتك 
طفلها المدلل 
فهي معذورة فيما تفعل
فما أصابها
لو نزل بالطور لتزلزل.
________________________
  ✍/جبر مشرقي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وصمة

حسين عبد الودود الشميري ـ ق ق ج وصمة. حَدَّثَنِي صَدِيقِي : الْكَثِيرِينَ هُنَا لَمْ تَؤثَّرْ فِيهِمْ الْمَدَنِيَّةُ ؟! مَازَالُوا يَتَمَس...